ساسي سالم الحاج
57
نقد الخطاب الاستشراقي
عليه . ولكن النهم إلى زيادة المعرفة بالشرق وأحواله لم يتوقف أبدا خاصة بعد سقوط مدينة القسطنطينية وبروز الدولة العثمانية ككيان قوي مدافع عن الإسلام ، فقرر الغرب محاربة الأتراك أولا ، ومنعهم من التوسع في أوروبا ، وقد تم لهم ذلك بوقف المد التركي وهو على أبواب مدينة قيينا النمساوية . كما اتجه اهتمام الغرب إلى الشرق بصفة عامة ، ولم تعد الدراسات الاستشراقية محصورة في العالم الإسلامي فقط ، ولكن نظرا للاستكشافات الجغرافية الأوروبية ، وأثرها في تحويل طرق التجارة العالمية إلى الهند عن طريق رأس الرجاء الصالح ، والرحلة العظيمة التي قام بها ماركو بولو إلى الصين ، وما كشفت عن ثروات تلك الشعوب وحضارتها المتطورة ، طمع الغرب في الاستيلاء على هذه البلاد ، والسيطرة على مقدراتها السياسية والاقتصادية ، والإلمام بطرق حياتها ، وتركيب سكانها . وهذه المشاريع لا يمكن أن تتم دون أن تسبقها دراسات مفصّلة لإعطاء فكرة واضحة لا لبس فيها ولا غموض توطئة لاستعمار هذه الأصقاع . وليس هناك من يقوم بتقديم هذه التقارير إلّا المبشرون والمستشرقون . فسخرت الحكومات الغربية هؤلاء الناس لخدمة أغراضها الاستعمارية ، وتمثلت في تلك الرحلات التي قام بها الرواد الأوائل من المستشرقين لتقديم صورة جلية عن المجتمعات التي نوت أوروبا السيطرة عليها . فقام المستشرقون والمبشرون بأدوارهم على أحسن ما يرام ، فقدموا إليها ما تحتاج إليه من تراث الشرق لفهم عقليته وأمزجته وتفاصيل حياته ، ومواطن الضعف فيه . وهكذا تسلل هؤلاء القوم إلى الشرق ، واختلطوا بأهله تجارا ، وقناصل ، ورحّالة ، ومبشرين ، يمهدون الأرضية لتكون صالحة ومهيّأة للاستعمار الغربي . فتأسست الجمعيات الجغرافية البريطانية والفرنسية ، وأرسلت الرحالة والمستكشفين وكلهم من المستشرقين إلى مجاهل إفريقيا والشرق ، لدراسة أحوال تلك البلدان وبيان آفاقها التجارية والاقتصادية ، وكتابة تقارير دورية منتظمة ترسل إلى وزارة مستعمرات هذين البلدين لاستخلاص النتائج منها . والعمل على إعداد الخطط للتغلغل في البلدان المستكشفة بناء على تلك الدراسات التي تصل إليهم تباعا من أولئك الرحالة والمبشرين . وهكذا سخّر الاستشراق في هذه المرحلة لخدمة الأغراض السياسية تمهيدا لاستعمار إفريقيا والشرق كله . ونحن لا نستطيع أن نتعرض بالتفصيل إلى هذه الأعمال التي قام بها هؤلاء الناس في هذه المرحلة نظرا لاتساعها وشموليتها ، ولكننا نحاول بيان ذلك في ما يتعلق بنشاط الرحّالة الذين زاروا إفريقيا الشمالية ثم تغلغلوا منها إلى مجاهلها لنستنبط من تقاريرهم